كانت البداية منذ عدة سنوات عندما وفقني الله عز وجل بالتفوق في السنة النهائية بالمرحلة الإعدادية وحصلت على مركز متقدم في ترتيب الأوائل على مستوى الجمهورية، ولكن لا تأتي الرياح دائما بما تشتهي السفن حيث لم تكتمل سعادتي بالتفوق، فقد كان من المعتاد أن يتم تشجيع الطلاب الأوائل بالسفر إلى أوروبا طبقا لبعض بروتوكولات التعاون الدولي في مجال التعليم بين الدول، وجاء نصيبي من هذه المنح بالسفر إلى مدينة فرانكفورت بألمانيا لمدة شهر كامل مجانا، وكان من المفترض السفر في إجازة صيف الصف الأول الثانوي .
وهنا بدأت قصتي حيث فاجأني والداي برفضهم لسفري، مبررين ذلك بقلقهم علي وخوفهم من سفري وحدي إلى الخارج في هذه السن المبكرة، ورفضت أنا أيضا ذلك قرارهم هذا، وفي اليوم التالي لم أنزل معهم لصلاة الفجر كعادتنا اليومية، وبدأ إخوتي محاولات لمساندتي عن طريق إقناع والديٌ بالعدول عن قرارهما، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، وزاد إصرار أبي على قراره، وهنا لم يكن أمامي إلا التفكير في وسيلة أوفر بها نفقات مصاريفي الشخصية لأستطيع تحقيق حلمي بالسفر.
وفي اليوم التالي بعد صلاة الفجر ركبت دراجتي حتى وصلت إلى الكورنيش، فشاهدت هناك أحد بائعي التين الشوكي، وطلب مني الرجل نقل أقفاص التين بدراجتي من مكانها إلى المكان الذي يبيع فيه، وذلك مقابل إعطائي اثنين من التين، وهنا عرضت عليه أن أنقل له كل يوم أقفاص التين مقابل خمسين قرشا، ووافق هو، واستمر عملي معه هكذا لمدة خمسة أو ستة أيام ، ثم اتفقت مع عدد آخر من البائعين على نقل الأقفاص إلى أماكن البيع بنفس المقابل، إلى أن أصبح معي خمسة عشرة جنيها، ومن خلال احتكاكي بالبائعين عرفت أن ثمن قفص التين الواحد ثلاثة جنيهات ونصف، وأن تلك الأقفاص يجلبونها من الوكالة المخصصة لبيع الجملة بمنطقة الحضرة .
فخطرت لي فكرة ناقشتها مع أخي لمساعدتي في شراء أقفاص تين بمبلغ الخمسة عشرة جنيها التي معي، وتوزيعها بالدراجات الخاصة بنا، وفي اليوم التالي ذهبنا للاستفسار عن مكان الوكالة، وهناك ساعدنا والد أحد أصدقائنا وكان يعمل تاجرا بالوكالة، وساعدنا كثيرا في الحصول على أجود وأرخص الأنواع، وقدمنا للتجار زملائه بالوكالة.
وبدأنا أنا وأخي ما يمكن أن يطلق عليه خدمة توصيل، حيث كنا نقوم بشراء أقفاص التين من الوكالة وتوزيعها على البائعين على كورنيش الإسكندرية وذلك بعد الاتفاق معهم على عدد معين من الأقفاص بثمن محدد للقفص وكان حوالي ستة جنيهات ونصف، وبعد أيام قليلة انهالت الطلبات علينا بكميات كبيرة من البائعين، وعرض علينا أحد تجار الوكالة أن نشتري منه أقفاص التين من منطقة "مزلقان فيكتوريا" وهي منطقة قريبة جدا من المنطقة التي نقوم بالتوزيع فيها، حيث أن سيارات الوكالة تمر من هناك مما يوفر علينا مجهود الذهاب للوكالة وتكلفة المواصلات والنقل من الوكالة إلى حي فيكتوريا، وبالفعل أصبحت السيارة تمر علينا كل يوم لتوريد البضاعة لنا لتوزيعها على البائعين .
في تلك الفترة لم يكن والدينا على علم بما نقوم به، وكنا نخشى إخبارهم، حيث أننا كنا نعيش في منطقة راقية جدا بالإسكندرية وكان أبي يشغل منصب كبير بالدولة، مما قد يسبب حرجا لعائلتنا، ولكننا عزمنا أمرنا وأخبرناهم، وفوجئنا بترحيبهم لما نقوم به، وبدأوا يوجهوننا إلى التصرف السليم وتشجيعنا على استكمال ما بدأناه بشراء بعض كميات التين لعائلتنا ومعارفنا، وبدأ الطلب يزداد علينا حيث كنا نبيع بسعر أرخص وبجودة أعلى، وانضم إلينا أصدقاء آخرين ممن يمتلكون دراجات لتوزيع الأقفاص.
وبعد ثلاثة أشهر من بداية مشروعنا، حان موعد السفر ومعي من مالي الخاص مبلغ 1850 جنيها تقريبا، وكان مبلغ كبير جدا في ذلك الوقت، وهنا طلبت من والدي تنفيذ اتفاقنا بالموافقة على سفري في حالة السفر بمالي الخاص، ووافق والدي ولكنه أعطاني ما يكفيني من المال، وقام بفتح دفتر توفير لي باسمي ليكون دائما رمزا لما ربحته من مجهودي الخاص.
بيانات: - الكاتب: م/ محمد علي حامد، عضو جمعية أصدقاء البيئة بالإسكندرية – عضو رابطة خريجي كلية التجارة جامعة الإسكندرية – مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الحفاظ على المقاول الصغير( تحت التأسيس والإشهار)- رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات استثمارات عقارية – باحث اقتصادي (حاصل على دبلوم الدراسات العليا في دراسات جدوى المشروعات)– طالب بماجستير في الاقتصاد بجامعة سويسرا. - المشروع: وسطاء لتوزيع التين على صغار البائعين. - سعر قفص التين الواحد: ثلاثة جنيهات ونصف. - الفكرة: نقل أقفاص التين من وكالة الجملة إلى أماكن البيع على كورنيش الإسكندرية.
|